كان جحا يملك ست جرار من عسل الربيع. جمعته النحالة أمينة من خلايا بين أشجار الليمون والزعتر، وكان ذهبيًا تفوح منه رائحة الأزهار.
عندما اضطر جحا إلى السفر أيامًا لبيع بعض الأقمشة، خاف أن تفسد الجرار في البيت الحار. حملها إلى مخزن جاره التاجر نبيل وقال:
أريد أن أتركها عندك حتى أعود. المخزن بارد، وأنت صديق أثق به.
صف نبيل الجرار على رف خشبي. وعدّها مع جحا: واحدة، اثنتان، ثلاث، أربع، خمس، ست. ثم وضعا على كل غطاء نقطة من شمع أزرق، وسجلا العدد في دفتر المخزن.
قال نبيل:
ستجدها كما تركتها.
شكره جحا، وربت على عنق حماره، وانطلق مطمئنًا.
الجرار الصامتة
عاد جحا بعد عشرة أيام. دخل مخزن نبيل، فرأى الجرار الست على الرف نفسه. لكنه لاحظ أن لون العسل لا يلمع خلف الزجاج الصغير في أغطيتها.
رفع الجرة الأولى، فوجدها خفيفة. ورفع الثانية، فكانت أخف. وعندما فتحهما، لم يجد سوى رائحة عسل بعيدة.
سأل بهدوء:
يا نبيل، أين العسل؟
مسح نبيل جبينه وقال:
حدث أمر لا يصدق. دخلت الفئران ليلًا وشربت العسل كله.
نظر جحا إلى الجرار النظيفة، ثم إلى الرف، ثم إلى نبيل.
ست جرار كاملة؟
يبدو أنها كانت فئرانًا شديدة العطش.
وهل فتحت الأغطية ثم أعادتها؟
الفئران هنا بارعة جدًا.
وهل مسحت قطرات العسل عن الرف أيضًا؟
تردد نبيل لحظة ثم قال:
فئران مرتبة، على ما يبدو.
لم يصرخ جحا، ولم يأخذ شيئًا من مخزن جاره. قال فقط:
هذا أمر عجيب يستحق أن نفهمه. سأعود غدًا ومعي من تعرف العسل والفئران.

ما تقوله الآثار
في الصباح جاءت النحالة أمينة إلى المخزن. لم تتهم أحدًا، بل بدأت بالفحص.
مررت إصبعها المغطى بالقفاز حول الرف.
لا توجد قطرة عسل واحدة. لو انسكب قليل منه لترك أثرًا لزجًا.
ثم فحصت الأغطية.
لا توجد علامات قضم. والشمع الأزرق القديم قُطع بخط مستقيم، ثم وُضعت فوقه نقاط جديدة أغمق لونًا.
قال جحا:
إذن لدينا فئران تستخدم سكينًا، وتنظف الرف، وتعرف كيف تذيب الشمع!
حاول نبيل أن يضحك، لكن ضحكته خرجت قصيرة.
أخرجت أمينة ميزانًا صغيرًا ووضعت عليه جرة فارغة، ثم قارنت وزنها بالوزن الذي سجله جحا في دفتره يوم الإيداع.
قالت:
الجرار نفسها، لكن محتواها أُزيل بعناية. الأدلة لا تخبرنا من فعل ذلك، لكنها تخبرنا أن قصة الفئران لا تناسب ما نراه.
جلس نبيل على المقعد، وظل ينظر إلى الشمع الأزرق.
النسور والعربة
كان نبيل يستعد في ذلك اليوم لنقل أكياس القماش والتوابل إلى السوق. كانت عربته تقف أمام الباب، مربوطة بحصانه الهادئ.
خرج جحا وأمينة معه. مرت فوقهم نسرتان بعيدتان في السماء، فرفع جحا رأسه وقال:
احذر يا نبيل. من الأفضل أن تدخل العربة إلى المخزن.
سأله نبيل:
ولماذا؟
قد تهبط النسور وتحمل الحصان والعربة والبضائع كلها.
فتح نبيل فمه من الدهشة.
نسر يحمل عربة محملة؟ هذا مستحيل!
ابتسم جحا.
ولماذا يكون مستحيلًا في قرية تستطيع فئرانها فتح ست جرار مختومة، وشرب العسل، وغسل الرف، ثم إعادة الأغطية؟
صمت نبيل. نظر إلى العربة الثقيلة، ثم إلى الجرار الخفيفة، وفهم أنه لا يستطيع رفض الحكاية العجيبة حين تخصه وقبولها حين تحميه من المسؤولية.
لم يضحك جحا عليه أمام أهل السوق، ولم يناد أحدًا ليعاقبه. انتظر فقط جوابًا صادقًا.
تنهد نبيل وقال:
لم تشرب الفئران العسل. احتجت إلى نقود سريعة، فبعت جرة وقلت لنفسي إنني سأعيدها قبل عودتك. ثم بعت ثانية، وكلما مر يوم صار الاعتراف أصعب، حتى بعت الجرار كلها.
قالت أمينة:
المشكلة لم تبدأ حين احتجت إلى مساعدة. بدأت حين أخذت ما ليس لك، ثم بنيت عذرًا بدل أن تقول الحقيقة.
خطة لإعادة الحق
قال جحا:
أريد عسلي أو ثمنه، لكنني أريد أيضًا ألا يتكرر ما حدث. كيف ستصلح الخطأ؟
فكر نبيل ثم اقترح خطة:
- يعيد ثمن جرتين في ذلك اليوم من ماله المتاح.
- يشتري من أمينة أربع جرار مماثلة على دفعتين واضحتين.
- يعتذر لجحا كتابة وشفهيًا.
- لا يقبل أمانة جديدة قبل تسجيلها مع صاحبها ووضعها في خزانة منفصلة.
- إذا احتاج إلى قرض، يطلبه بصراحة بدل أن يستخدم ممتلكات الآخرين.
وافق جحا على الخطة، وكتبوها في الدفتر مع مواعيد محددة. لم يقل إن الاعتذار وحده يكفي؛ فالثقة تعود بالأفعال المتكررة.
بعد أسبوعين أحضر نبيل الجرة الأخيرة. كانت الجرار الست ممتلئة، وأختامها الزرقاء متساوية، والرف نظيفًا.

قال نبيل:
أشكرك لأنك لم تخفِ عربتي لترد لي الخدعة بخدعة.
ضحك جحا:
فكرت في أمر أسهل: تركت العربة مكانها، وتركت السؤال يحمل العذر بعيدًا.
ابتسم نبيل هذه المرة بصدق.
ومنذ ذلك اليوم، إذا سمع أهل القرية عذرًا لا يناسب الأدلة، لم يسارعوا إلى السخرية أو الاتهام. كانوا يسألون بهدوء:
هل هذه فئران تشرب العسل، أم أن هناك حقيقة تحتاج إلى شجاعة؟
ماذا نتعلم؟
- الأمانة تعني حفظ ممتلكات الآخرين وعدم استخدامها من دون إذن.
- العذر لا يصبح صحيحًا لمجرد تكراره؛ نقارنه بالأدلة بهدوء.
- يمكن كشف التناقض بالسؤال الذكي من دون انتقام أو إهانة.
- الاعتراف خطوة أولى، وإعادة الحق والعمل المنظم هما ما يصلحان الضرر.
- طلب المساعدة بصراحة أفضل من حل المشكلة بأخذ ما لا نملك.
مناقشة وأسئلة بعد القراءة
- كيف وثق جحا ونبيل عدد الجرار قبل السفر؟
- ما الأدلة التي جعلت قصة الفئران غير مقنعة؟
- لماذا تحدث جحا عن النسور والعربة؟
- ما الفرق بين اعتذار نبيل وخطة إعادة الحق؟
- كيف كان يستطيع نبيل التصرف عندما احتاج إلى المال؟
- اذكر سؤالًا هادئًا يمكن أن يساعدك على فحص عذر غير منطقي.